Skip Navigation Links
الرئيسية
من نحن
اتصل بنا
ارسل خبر
                 الأربعاء , 21 كانون الثاني 2026 �
Skip Navigation Links
اخبار البلقاء
نبض الوطن
برلمانيات
شخصيات ومسيرة عطاء
اخبار المجتمع
عربي دولي
اخبار الرياضة
منوعات وفنون
واحة الايمان
اقلام حرة
السبت , 03 كانون الثاني , 2026 :: 11:08 ص
"بين عامٍ يمضي ووجوهٍ ترحل: فلسفة الزمن والموت ومعنى البقاء في التصور القرآني" د.علي الصلاحين

جبال البلقاء الاخباري: يمضي الزمن في الوعي القرآني لا بوصفه حركةً محايدة، بل ككائنٍ حيّ يمرّ بنا ويترك أثره فينا، ويأخذ معه من نحب، ويُبقينا في مواجهة سؤال الفقد والمعنى. عامٌ يمضي وقد كان بيننا أناس ملؤوا أيامنا حضورًا وضحكًا وأثرًا، ثم غابوا، لا لأنهم أخطأوا الطريق، بل لأن الموت سنّة كونية لا تستثني أحدًا. هذا الغياب ليس تفصيلاً عابرًا في الحياة، بل هو من أعمق مفاتيح الفهم القرآني للوجود، إذ يجعل الإنسان يقف على حقيقة نفسه، وعلى طبيعة الدنيا، وعلى معنى البقاء الحقيقي.
في التصور القرآني، الموت ليس نقيض الحياة، بل جزء من نظامها، خلقه الله كما خلق الحياة:(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا) فالموت ليس عبثًا ولا عقوبة عامة، بل انتقالٌ من طور إلى طور، ومن دارٍ إلى دار. وحين نفقد الذين عاشوا معنا، لا يقدّم القرآن هذا الفقد بوصفه انقطاعًا مطلقًا، بل فراقًا مؤقتًا ضمن مسار أكبر من أعمارنا المحدودة. لذلك يربط القرآن دائمًا بين ذكر الموت وذكر الآخرة، ليمنع اليأس، ويمنح الفقد معنى.
إن الذين رحلوا عنا في الوعي القرآني لم “ينتهوا”، بل سبقونا. سبقونا إلى مرحلة نُدعى إليها جميعًا، وتركوا لنا الرسالة الأوضح: أن الأعوام تمضي سريعًا، وأن الوجوه التي نألفها ليست مضمونة البقاء، وأن التعلّق الحقيقي لا يكون بما يفنى، بل بما يجمعنا بعد الفناء. من هنا، يتحول الحزن في المنظور القرآني من حالة كاسرة إلى حالة واعية؛ حزنٌ إنساني مشروع، لكنه لا ينقلب إلى اعتراض على القدر، لأن الموت حق، ولأن الله أرحم بعباده من بعضهم ببعض.
وفلسفة الموت في القرآن تتجاوز كونه نهاية فردية، ليصبح أداة تربوية جماعية. فحين يرى الإنسان من حوله يرحلون، تتكشّف له هشاشة وهم الخلود، ويُستدعى إلى مراجعة حياته لا من باب الخوف فقط، بل من باب المسؤولية. ولهذا يقترن ذكر الموت غالبًا بالدعوة إلى العمل الصالح، لا إلى الانسحاب من الحياة. فالحياة، رغم قصرها، هي مزرعة الآخرة، وما نزرعه فيها هو الذي يمنح الغائبين حضورهم الحقيقي في ذاكرتنا: صدقة جارية، دعاء، أثر طيب، أو قيمة أخلاقية بقيت حيّة بعد رحيلهم.
وإذا وسّعنا النظر إلى الأديان السابقة، نجد أن فلسفة الموت لم تكن غريبة عن الوعي الديني الإنساني. ففي الديانات الإبراهيمية جميعًا، الموت انتقال لا فناء. في اليهودية، يرتبط الموت بفكرة الحساب والعدل الإلهي، وإن كان التركيز التاريخي الأكبر على الحياة والعمل في الدنيا. وفي المسيحية، يُنظر إلى الموت بوصفه معبرًا إلى الخلاص الأبدي، حيث تصبح القيامة والحياة الأخرى جوهر الإيمان. أما القرآن، فيجمع بين البعدين: عدالة الحساب، ورحمة المصير، ويوازن بين عمارة الدنيا والاستعداد للآخرة دون تضاد.
ما يميز التصور القرآني أنه لا يعزل الموت عن الحياة، ولا يجعل التفكير فيه سببًا للانسحاب أو الرهبنة، بل يجعله بوصلة أخلاقية. فاستحضار الموت لا يعني كراهية الحياة، بل يعني حبّها على حقيقتها، دون خداع. ولهذا، فإن الذين فقدناهم يصبحون – من حيث لا نشعر – شركاء في تهذيب وعينا؛ إذ بغيابهم نتعلّم قيمة الحضور، وبصمتهم نتعلّم خطورة التأجيل، وبذكراهم نفهم أن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بعمق أثره.
إن العام الذي يمضي وقد حمل معه أسماءً أحببناها، ليس عامًا خاسرًا في الميزان القرآني إذا تحوّل إلى وعي، وإذا جعلنا الفقد دافعًا للتقوى لا لليأس. فالموت في هذا التصور ليس إعلانًا عن عبث الوجود، بل عن جديته. ليس قطيعة، بل وعد بلقاء. وليس نهاية القصة، بل انتقال الفصل. وبين عامٍ مضى وعامٍ قادم، نبقى نحن الأحياء في مساحة الاختبار: نُحسن العمل، نُصلح ما فسد، ونحمل ذكرى من فقدنا معنا لا كحملٍ ثقيل، بل كأمانة تدفعنا لأن نعيش بصدق، حتى إذا جاء دورنا، نكون قد فهمنا معنى الأيام كما أرادها الله.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
أضف تعليقا
الحقول المسبوقة بعلامة (*) هي حقول إجبارية.
* الإسم :  
البريد الإلكتروني :  
* نص التعليق :  
أرسل
2023 © جميع الحقوق محفوظة - موقع جبال البلقاء الاخباري

الموقع مرخص بموجب احكام قانون المطبوعات والنشر يمنع الاقتباس او اعادة النشر دون ذكر المصدر (جبال البلقاء الاخباري)،الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط.