الأحد , 11 كانون الثاني , 2026 :: 10:00 ص
"بيان في الصدق والأخلاق والاقتصاد في زمن الحروب الناعمة"...الدكتور علي الصلاحين
جبال البلقاء الاخباري: يشهد العالم اليوم مرحلة انتقالية خطيرة، لا تُقاس بحدود الجغرافيا ولا بعدد الجيوش، بل بعمق أزمة الثقة التي تضرب أساس النظام الاقتصادي العالمي. فالحروب المعاصرة لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعملة، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والعقوبات، والتحكم في الأسواق. إنها حروب اقتصادية في جوهرها، يغذيها فقدان الثقة، ويؤججها منطق المنفعة العارية من القيم. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأخلاقي سؤالًا استراتيجيًا، لا ترفًا فكريًا. في قلب هذا المشهد، يقف التصور الإسلامي للصدق موقف البديل الحضاري الممكن، لا بوصفه خطابًا مثاليًا، بل بوصفه منطقًا سننيًا لإدارة العلاقات الإنسانية والاقتصادية. فالصدق في الإسلام ليس خُلُقًا فرديًا معزولًا، بل مبدأ بنيويًا تنتظم به الثقة، وتُخفَّض به كلفة الصراع، ويُعاد به تعريف الربح. وقد جسّد النبي صل الله عليه وسلم هذا المعنى في تجارته قبل البعثة وبعدها، حين سبق السلوكُ الدعوة، وسبقت الأخلاقُ الخطاب، فصنعت الأمانةُ ثقةً عابرة للثقافات، ومهّدت للإسلام طريقه إلى القلوب قبل العقول. غير أن الواقع الإسلامي المعاصر يعاني خللًا عميقًا يتمثل في الفصل بين القيمة والممارسة. تُرفع الأخلاق شعارًا، بينما تُدار الأسواق بمنطق لا يختلف كثيرًا عن أكثر النماذج النفعية تطرفًا. الصدق يُستدعى في الخطب ويُغيب في العقود، والأمانة تُمدَح بوصفها فضيلة شخصية لا قاعدة عامة. هذا الانفصال لم يضرّ بالاقتصاد فحسب، بل أضعف المصداقية الحضارية للإسلام، وحوّله من نموذج يُحتذى إلى خطاب يُدافع عن نفسه.
في عالم يقوم اقتصاده على الثقة، لا على القوة وحدها، يصبح هذا الخلل كارثيًا. فالنظام العالمي اليوم يترنح لا بسبب نقص الموارد، بل بسبب هشاشة الثقة. تضخم العقود، وتكاثر الرقابة، وارتفاع كلفة التأمين، كلها أعراض لغياب الصدق. وحين تغيب الثقة، تتحول العلاقات الاقتصادية إلى صراع صفري، وتتحول الأسواق إلى أدوات ضغط، وتُستبدل الشراكة بالابتزاز. وهنا تصبح الحروب الاقتصادية نتيجة طبيعية، لا انحرافًا طارئًا. يمتلك المسلمون، نظريًا، رصيدًا أخلاقيًا قادرًا على تقديم نموذج مغاير: اقتصاد يقوم على الوضوح، والوفاء، وصدق العرض، وعدالة التبادل. غير أن هذا الرصيد يُهدر حين لا يتحول إلى ممارسة جماعية. فالعالم لا يحاكم القيم في نصوصها، بل في تجسّدها العملي. ولا يسأل عن جمال الفكرة، بل عن صدق حاملها. وحين يفشل المسلم في أن يكون أمينًا في معاملته، فإنه لا يسيء إلى نفسه وحدها، بل يضعف الحجة الأخلاقية التي يملكها دينه في لحظة تاريخية تحتاجها البشرية أكثر من أي وقت مضى.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من التنظير الأخلاقي، بل إلى إعادة إدخال الصدق في قلب البنية الاقتصادية والاجتماعية. الصدق ليس وعظًا، بل سياسة بعيدة المدى. هو استثمار في الاستقرار، وتقليل للصراع، وبناء لرأسمال اجتماعي لا يُشترى ولا يُفرض بالقوة. وفي عالم تُدار فيه الحروب بالاقتصاد، يصبح الصدق قوة استراتيجية، لا فضيلة هامشية.
إن استعادة الصدق بوصفه ممارسة فردية وجماعية ليست خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة حضارية. فإما أن يعود المسلم شاهدًا بالقيم قبل أن يكون متكلمًا باسمها، وإما أن يبقى الإسلام حاضرًا في النصوص غائبًا في الأسواق. والتاريخ لا يرحم الأمم التي تمتلك القيم ولا تحسن تمثيلها، خاصة في زمن لم يعد يسأل فيه العالم: من الأقوى؟ بل من الأصدق، ومن الأجدر بالثقة.
|