جبال البلقاء الاخباري: من تشخيص الأزمة إلى مسار
تعيش منطقتنا العربية مرحلةً دقيقة تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، فيبدو المشهد أحيانًا وكأن الأمة مستباحة، تتنازعها الأزمات والصراعات والتجاذبات الدولية. غير أن القراءة الهادئة تقتضي الابتعاد عن لغة الاتهام والانفعال، والاقتراب من فهمٍ موضوعيّ يوازن بين أثر الضغوط الخارجية ومسؤوليتنا نحن عن واقعنا.
لا شك أن النظام الدولي تحكمه المصالح، وأن القوى الكبرى تتعامل مع منطقتنا باعتبارها ذات أهمية استراتيجية. لكن هذا المعطى ليس جديدًا في التاريخ، كما أنه لا يفسّر وحده حجم التعثر الذي نعيشه. فالمجتمعات القادرة على بناء مؤسسات قوية، وتعزيز المشاركة السياسية، واحترام القانون، تكون أقدر على حماية نفسها وتقليل هامش التدخل في شؤونها. ومن هنا فإن الحديث عن الاستباحة ينبغي أن يقترن بسؤال الإصلاح الداخلي، لا أن يتحول إلى خطاب يبرئ الذات بالكامل أو يحمّل الخارج كل المسؤولية.
إن صورة السفينة التي يركبها الجميع تعبّر بدقة عن واقعنا المشترك؛ فسلامة الكل مرتبطة بوعي الأفراد والجماعات بمسؤولياتهم. حين تضعف ثقافة المساءلة، أو تتراجع قيمة الكفاءة، أو تتغلب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، تتراكم الثغرات التي تسمح بتفاقم الأزمات. معالجة هذه الثغرات لا تكون بالخطاب الحاد، بل ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبترسيخ مبادئ العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.
كما أن النقد الذاتي مطلوب، لكن من دون جلد للذات أو تعميمات قاسية. فالمجتمعات العربية ليست كتلة واحدة من الفشل، بل فيها تجارب ناجحة في التعليم والاقتصاد والإدارة يمكن البناء عليها. المطلوب هو تعميم ثقافة التفكير النقدي، وتطوير المناهج، ودعم البحث العلمي، وتشجيع المبادرات الشبابية، حتى يتحول الشعور بالأزمة إلى دافع للإصلاح. التاريخ يبين أن الأمم تمر بمراحل ضعف ثم تستعيد عافيتها حين تتوافر الإرادة والرؤية. لذلك فإن الخيار ليس بين التفاؤل المفرط أو التشاؤم القاتل، بل بين الاستمرار في ردود الفعل، أو الانتقال إلى الفعل الواعي المنظم. إن تعزيز التعاون العربي، واحترام التنوع داخل المجتمعات، وبناء مؤسسات دستورية قوية، كلها مسارات عملية تقلل من الهشاشة وتزيد من القدرة على مواجهة التحديات.
الحديث عن النهوض يجب أن يظل مرتبطًا بالعمل الواقعي: إصلاح تدريجي، مشاركة أوسع، تعليم أفضل، وإدارة أكثر كفاءة. بهذا المنهج المتوازن يمكن تحويل القلق المشروع على حال الأمة إلى طاقة إيجابية تدفع نحو مستقبل أكثر استقرارًا وكرامة، بعيدًا عن المبالغة أو التراشق، وقريبًا من روح المسؤولية المشتركة.